الثلاثاء، 3 يناير 2017

هل وصل الحوار سوق الحمير

بسم الله الرحمن الرحيم
ليس قنوطا من رحمة الله
هل وصل الحوار سوق الحمير
قبل  انتخابات 2010 بقليل ذهبت الى الخرطوم لاستجلاء الأمر من عل و سألت سؤالا واحدا لأحد صناع القرار في الشعبي ماهي ضمانات نزاهة الانتخابات فكانت إجابة الرجل واضحة ليس لدينا ضمان ؟ قلت له الكل يعلم أن النظام لن يتخلى عن السلطة احتراما لصندوق الاقتراع وإنما فقط يسمع صوت الذخيرة . فتبرعت بإجابة أقنع بها نفسي فكلنا من جيل الحركة الإسلامية الذي يفوض التدابير الأجهزة التنظيمية العليا ونعتقد ان كل شئ على مايرام وفي أيدي أمينة عبرنا عنه بهتاف (ارمي قدام وراء مؤمن .) إلى أن صعقتنا نازلة المفاصلة فاكتشفنا أن العلة في القيادة . فقلت له إن الضمان الوحيد لنزاهة الإنتخابات أن يحرسها القضاء والنيابة والشرطة وجهاز الأمن بحيدة ومهنية لا ينحازوا للحزب الحاكم إن كان فيهم شئ من ضمير أو سمة من أخلاق إسلامية أو للشعبي بقية فيهم مما ترك الشيخ . وكان وقتها عندي اعتقاد جازم أن الشيخ دخل الانتخابات يراهن على هذه الأجهزة ووعيها أو بعض التوجيهات منه تلميحا .فليس هناك ما يشير علنا بأي شكل من الضمانات المعقولة يعتمد عليها حزب مثل الشعبي وسياسي مجرب مثل الترابي . ولكن خاب ظني فالنظام زور الانتخابات ولم يترك مجال للمتعاطفين معه أن يبرروا نتيجتها حتى قال الترابي تصريحه الساخر منها:( ان الله خالق الكون ومدبره خرج عليه من ينكر وجوده ويكفر به ) .
فاجتمعنا في عطبرة بعد توجيه حزبي بتنظيم مظاهرات ترفض اعتقال الأمين العام  والخروج ثورة على النظام لإسقاطه . فكان القرار التظاهر بعدد قليل من الشباب والطلاب واستمرار في التعبئة والتحريض للجماهير من خلال العمل الجماعي مع تحالف الإجماع الوطني المعارض . فليس من الحكمة أن نحشد  العضوية من الأطراف ونجمعها في ميدان المولد بعطبرة ونيسر على النظام عملية قتلهم فكانت قناعتنا (و كنا محقين ) أن النظام سيذبحهم بدم بارد كما فعل في كجبار وبورتسودان وهذا ديدن الأنظمة العسكرية المستبدة كما قتل الطلاب في ميدان السلام السماوي في بكين   . وكما فعل السيسي لاحقا في ميدان رابعة .وبعد ان نفذنا مظاهرة محدودة بعد ضغط من أمانة الحزب في الولاية جلسنا نفكر في حل إبداعي يربك النظام ويحرك الجماهير ويحفزها للتغيير بأقل تكلفة . بعد أن زاد شكنا في جدوى التدابير الإتحادية وعزمنا أن نمارس حقنا في الفدرالية المتاحة في الحزب. وكان الإتفاق أن النظام يقف على رجلين الأولى جهوية يقول فيها أنه يحمي الوسط من هجمة الأطراف وسيكون القتل على أساس إثني  ان استلمت الحركات المسلحة السلطة في الخرطوم  وأن الدولة المركزية يكفيها منة على المواطن توفير الأمن في الوسط النيل وركز التنمية في مثلث حمدي الشهير  . ساعده في ذلك الخطاب المتهور من الجبهة الثورية . . أما الرجل الثانية فكانت ايعازه أنه يحكم باسم الحركة الإسلامية وسقوطه يعني تسلم الحكم من العلمانيين ويستعد الإسلاميون للذبح في الشوارع على أيدي الشيوعيين . فضرب إحداهما يعني أن النظام سيبرك ويسهل نحره . و استبعدنا الشغل على الرجل الأولى لأنها قد تفهم في إطار الجهوية والعنصرية ،الفكرة كانت قائمة على سحب الخطاب من النظام ومزاحمته فيه بحيث يعجز عن ردة فعل عنيفة تحرجه مع الرأي العام .. فكان لابد من العمل على الرجل الثانية وكانت مبادرة نهر النيل الوحدة والإصلاح .في أكتوبر 2010 ، هذه الفكرة قائمة على جمع قواعد الإسلاميين وتم تصنيفهم إلى شعبي ووطني ورصيف للمطالبة بالإصلاح العام ومحاربة الفساد وإتاحة الحريات وفصل الحزب عن الدولة ،وقامت بشئ عظيم حين إعتذرت عن القتل في دارفور فلم يلتفت أحد لهذا الملمح لا النظام ولا المعارضة ونظروا لها بعين السخط .
ونحن نحاور ونناور بهذه المبادرة واجهتنا كثير من القيادات بمنطقها المعارض للمبادرة وسأذكر هنا منطق قاله أحد قيادات المؤتمر الشعبي. فهو يقول : (أن المبادرة بدأت بافتراض مقلوب ، وهو أن الإصلاح ينبغي أن يبدأ بالخاصة ثم يعم ، أي أن إصلاح الحركة الإسلامية سيقود إلى إصلاح السودان أو إصلاح العملية السياسية في السودان ، وهو افتراض مقلوب لأنه ينسى أن الحركة الإسلامية لم تعد أمرا خاصا منذ يوم انقلبت على النظام الديمقراطي وتولت مقادير الأمور في البلاد ، وأن أي طرح يفترض أن إصلاحها هو مدخل لإصلاح العام هو طرح نرجسي أشعري ،) فلابد من أن يكون الإصلاح بعد إسقاط النظام وفي جو من الحريات والقول له مسترسلا ونحن أبناء الغرب من الإسلاميين لن نصدق ثانيا أي وعود من الحركة الإسلامية فإن كنتم تريدوننا أن نقف معكم في المبادرة عليكم ان تورونا حقنا ونمسكه بيدنا .وضرب أمثلة كثيرة عن خروقات في الممارسة في الماضي أشهرها مؤتمر الشفيع وتمرد بولاد وخروج خليل .لذلك هذا الخط وجدته في كثير من مبادرات الإسلاميين من مذكرة الألف أخ الى السائحون لم يظهر أي من شباب دارفور فيها رغم الحضور المميز منهم في قاعة البترول في قيادة هذه المبادرات واحتفظوا بمسافة معقولة تفصلهم عنها . وعندما طرح البشير مبادرة للحوار الوطني كل الفاعلين فيه من الوسط النيلي وكردفان وبعض عرب دارفور في الأمانة العامة و7+7 وإسناد الحوار في غياب تام للآخرين . وكأنهم ينتظرون أن يعرفوا حقهم وين . لذلك عجز الشعبي عن توحيد خطابه تجاه الحوار في وجود الشيخ الترابي نفسه حتى ظهر أن هناك مسافة بين قياداته وقواعده بل كثير من القيادات تجتهد أن تفرز عيشتها عن خط الحزب حتى تنال رضا التيار الممانع ظنا منها هذا يرقيها درجات في الحزب. هذا التردد والتوجس من اسلاميي الشعبي يقابله انتهازية مصلحية وعصبية تنظيمية لا تخلو من عنصرية من قبل اسلاميي النظام وهم ينسربون من كل ثقرة لإفراغ الحوار من محتواه أو أي إصلاح حقيقي وبالمقابل تدوير الأزمة السياسية .
وما يجري في كابينة القيادة العليا للحوار من صراع بين الشعبي والوطني يؤكد أن الإصلاح لن يحدث الا في ظل حوار إسلاميين علني وشفاف بعيدا عن المزايدات والفهلوة السياسية .فكثيرا ما يختلف القوم ويحرص الحزب الحاكم على تسجيل هدف في مرمى الشعبي وفرض سياسة الأمر الواقع .وكم سكب الشعبي مدادا في غزل البشير وكم من مرة أعاد الرئيس الأمور الى نصابها بعد ان التف حولها المؤتمر الوطني ولكن يظهر أن الرئيس بدأ يمل من هذه المماحكة وبدأ في تقريب بعض قيادات الشعبي ويفضل التعامل معها دون الآخرين وسيتم تمرير التعديلات الدستورية مهما قيل فيها وفرض إضافة مبارك الفاضل رغم اعتراض الأحزاب المعارضة المحاورة وأصبح النظام يتدخل في خيارات الشعبي للقيادة رغم العلاقة الشخصية بين الشيخ السنوسي والرئيس البشير إلا أنهم غير مرتاحين له ويعملون على موازنة  إسلاميين بين الحزبين يكون للجلابة حزب المؤتمر الوطني وللغرابة حزب المؤتمر الشعبي لذلك الأجهزة الأمنية مع ترشيح د. علي الحاج او السلطان آدم الطاهر حمدون للأمانة العامة خلفا للسنوسي . مع العمل والضغط تجاه مشاركة الشعبي في حكومة الوفاق وفي ظل صمت أعوان النظام على هذا السيناريو العنصري يقابل هذا التدبير مدافعة من الشعبيين الذين تحرروا من هذا الخبث والأمراض التي تقعد بالحركات التحررية والإصلاح الاجتماعي. فالمؤتمر الشعبي حزب ورث حركة الإصلاح اسلامي عمرها أكثر من سبعين عاما قدمت التضحيات وبذلت الدماء إيمانا بمنهجها .
ولكن المحصلة النهائية تلاقي مصالح العنصريين في المؤتمرين لوراثة حركة فكرية و بدأ يضمحل الأمل من جدوى الحوار وظهر هذا في تصريحات الأمين السياسي للمؤتمر الشعبي الذي أحرجته استباقية الحزب الحاكم حتى صور المؤتمر الشعبي بالعاجز عن مدافعتها . مما يجعل الإسلاميين يصلون الى الميس ويحصل عليهم مثل الداخل لسوق الحمير لا يعرف من رفسه.
اسماعيل فرج الله
10 ديسمبر 2016م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق