بسم الله الرحمن الرحيم
لماذا الثورة الآن
صراع الأجنحة
بعد ثورات الربيع العربي وجد السودان نفسه محاط بالفوضى من الغرب بعد فشل الثوار الليبيين في بناء دولتهم وبعد اضطراب الأمر في مصر واشتعال الحرب في سيناء ومن الشرق صراع إثيوبيا وإريتريا ومن خلفهم الصومال وأما حال الجنوب تكفي الإشارة إليه ، ليكون السودان دولة معبر لتجارة السلاح والبشر والهجرة الغير شرعية .
هذا الوضع جعل الغرب يجد مصلحته في بقاء نظام البشير .للحد الذي تطالب فيه إسرائيل الولايات المتحدة الأمريكية بتخفيف الضغط عليه ومساعدته برفع العقوبات الاقتصادية .في إسرائيل تأثرت بهجرة الأفارقة إليها مباشرة والاتحاد الأوروبي يئن منها لذلك يريد قطع الطريق على المهاجرين بوجود نظام مركزي قوي في الخرطوم يسيطر على الحدود فتحملت إيطاليا تكلفة حرس الحدود الشرقية وتكفلت ألمانيا بمدفوعات حرس الحدود الغربية مع ليبيا وأفريقيا الوسطى .زائدا استقرار الوضع في السودان متنفس للمصريين الذي يضيق بهم نظام السيسي فالحدود الجنوبية لمصر هي الوحيدة الآمنة والاتحاد الأوربي لن يجامل في استقرار الوضع في مصر مهما كلفه فتسعيين مليون مصرى حال الفوضى في السودان سيكون خيارهم الوحيد عرض البحر المتوسط واللجوء الى أوربا .والاتحاد الأوروبي هو صاحب المصلحة الاولى في استقرار السودان وهذا ما يفسر حضوره اللصيق بعملية التسوية للحرب السودانية وما اتفاقات باريس وبرلين وجنيف الا دليل على ذلك . أما أمريكا في حربها مع الإرهاب مجبره على التعاون مع البشير لأن إسقاطه غير مأمون العواقب فإن أعقبته الحرب الأهلية سيكون مرتعا للمتطرفين وسيفتح الطريق الرابط بين شرق وغرب أفريقيا لتمرير السلاح والمقاتلين ويتم الربط بين البحر الأحمر والمحيط الأطلسي .ولسخرية القدر تكون مصلحة الغرب في بقاء نظام حاربوه وحاصروه لأكثر من ربع قرن على أساس الهوية .وحتى تخاطب أوروبا منظماتها المدنية ولوبيات السياسة هناك أنتجت سياسة الاحتواء للنظام فتلقفت مبادرة الحوار الوطني ويضغط على المعارضة لقبولها .وأما أمريكا غيرت موقفها من حرب النظام ودعم المجموعات المسلحة إلى سياسة الإنزال السلس .
ومن هنا كان انقسام المعارضة الداخلية والحركات المسلحة في استجابتها للضغوط الغربية وقبول التسوية مع النظام فوافقت قوى نداء السودان على مبدأ التسوية مع النظام وطالبت الحركات المسلحة الدارفورية والحركة الشعبية شمال على فصل المسار الأمني والعسكري عن الحوار السياسي الذي اكتفت منه بمخرجات قاعة الصداقة كما سمته هي . وتم الإتفاق في أديس أبابا على الترتيبات الأمنية معها والإختلاف الوحيد المتبقي على وصول 20٪ من المساعدات الانسانية من الخارج عن طريق أصوصا الأثيوبية كما تصر الحركة الشعبية وترفضه الحكومة ولكن بالقطع سيتم تجاوز هذه النقطة وتتم التسوية مع الحركة الشعبية ويرجع قادتها إلى الخرطوم .أما حركات دارفور التسوية معها متقدمة وصلت مرحلة إبداء حسن النوايا بإطلاق سراح أسرى الحكومة لديها .
أما الأطراف السياسية في نداء السودان تكالب بتهيئة الأجواء وإلغاء القوانين المقيدة للحريات وهذا ما أنجزه الحوار وتم إيداع التعديلات البرلمان .أما الإمام الصادق لن ينتظر هذه الترتيبات وقرر العودة غير المشروطة وبدون ضمانات من النظام كما فعل في 99 عندما شعر أن جون قرنق في طريق تسوية منفردة مع البشير .
ويبقى موقف الطرف الثالث تحالف قوى الإجماع الوطني بقيادة الحزب الشيوعي الذي حدد سقفه مع النظام الراحل محمد ابراهيم نقد عندما قال :( مادام دار الحزب فاتحة وجريدة الميدان تصدر لا يهمني من يحكم القصر ) وكتب عبارته على جدار الزمن ( حضرنا ولم نجدكم ) وعلى خطاه يمشي الخطيب يعلن المواقف ضد النظام بالتظاهر والاعتصام ثم ينام ملء جفونه معلنا (لن نخرج الشارع نيابة عن أحد) .
فدعوات التظاهر ومطالبات الإعتصام في مثل هذا الوقت الذي تتم في تأسيس آليات تنفيذ مخرجات الحوار من آلية تنسيقية وحكومة وفاق وطني الغرض منه حسب مصلحة الأطراف وموقفها من الحوار والتسوية مع النظام . فالضغط على النظام بالداخل يخفف على نداء السودان ضغط الغرب وإجباره على تسوية لايقبلها . والحراك الداخلي للمعارضة يجعلها تزايد بالمكاسب من الحوار والمطالبة بمزيد من التنازلات . وليس من المستغرب من هذه الحملة الإعلامية لحراك ضعيف وإعتصام فاشل لأن المخاطب بهذه الأحداث الغرب وليس الشعب السوداني فالرساله له إن النظام الذي تراهنون عليه ليس مرضيا عنه في الداخل وفي أضعف حالاته ولك أن تنظر لتفاعل القنوات الفضائية مع دعوة الإعتصام قبل أن يحين وقته وتدبلج التقارير عن نجاحه بنسب وهمية لا تستند الى معيارية حقيقية وشاهدت في برنامج حوار talk show عن غلاء الدواء اعترف فيه مقدمه أنه حوصر في شبكات التواصل من سودانيين للتعليق عليه ولكن تعليقه كان باهتا( فالمحرش ما بكاتل ) .ولكن هذه الحملة انتجت تائج عكسية كسب منها النظام دعم أممي للأدوية ولمصلحة الخليج مع البشير ومشاركة السودان في عاصفة الحزم قررت الإمارات والسعودية ارسال طائرات الدواء للمساعدة في حل الأزمة . ووجود البشير في الخليج يفسر هذا الحرص منهم على بقاء نظام البشير ليضمنوا وجود الجيش السوداني في اليمن .
ولكن يبقى لاعب أساسي يجهد لإثبات فشل الحوار وللأسف هم إسلاميين طرفهم في الحزب الحاكم والآخر في المؤتمر الشعبي والرصيف . فإذا تابعت فهم حاضرون يشككون في جدوى الحوار ويعززون من عدم الثقة إما بكتاباتهم أو بنشرهم لكتابات وأخبار رافضي الحوار وفي أغلبها إما إقصائية أو إشاعة كاذبة .
وأصحاب المصلحة والفكر المستبد والمبعدين والمهمشين من الحزب الحاكم يريدون قدر من الفوضى الخلاقة حتى يثبتوا للرئيس أن الحوار فاشل والحريات مخاطرة والرهان على الشعبي خاسر وإلا بربك لماذا لم تخرج مدرسة بحري الحكومية الثانوية أو مدرسة شمبات الأساسية لتظاهر مدرسة خاصة وتتعامل معها السلطات برفق من غير المعهود . ولماذا هذا التعسف مع قيادات المؤتمر السوداني في رسالة سلبية عن الحريات فهؤلاء لن يقفوا عند هذا الحد وسيستمر الدافوري تبعهم حتى نهاية الشوط( سأتناولهم بالتفصيل في مقال آخر .) . والطرف الثاني اسلاميي الشعبي وللأسف هؤلاء موجودون على مستوى قيادي بالحزب فهم كانوا يمنون أنفسهم بوراثة النظام بعد اسقاطه ومحاكمة رموزه وهذا ما تجاوزه الحوار وقاله الشيخ الترابي ( عفا الله عما سلف) وبعضهم قيادات قبلية خاطبت قواعدها وحشدتها خلف غبن جهوي لا تستطيع معه التقارب مع النظام ولذلك رفضت توجيهات الحزب والمشاركة في أم جرس استجابة لقرارات قبلية . والنوع الآخر من الشباب الشعبيين الذين تأخذهم حماسة الثورة لهدم الباطل دون النظر في العواقب ومستقبل بناء الحق . أما ناس الرصيف فهؤلاء أرادوا رفض كل تقارب بين الشعبي والوطني لأنه فيه محاكمة أخلاقية لهم بإنخزالهم عن الطرفين في المفاصلة وتقديمهم مصالحهم الشخصية عن الهم العام .فلم يجاهدوا مع النظام في توريت وهجليج وأبو كرشولا ولم يعارضوا مع الشعبي ويدخلوا السجون والآن يزايدون.
رحم الله الشيخ الترابي فقد أصبح الحوار بموته يتيما والبشير وحيدا ولكن ثقة في الله وهذا الشعب ستمضي عملية الإصلاح رغم المتاريس بإرادة الإصلاحيين في الوطني والمتجاوزين في الشعبي والصادقين في الرصيف والمتعشمين الوطنيين ولكن على جميعهم المساهمة العينية في دفع عجلة الحوار وإنجاز مراحلة المتبقية.
اسماعيل فرج الله
الفاتح من ديسمبر 2016
قد تأتيك خاطرة أو تنبت فكرة لكن الزمن ينسيك فتحتاج توثيقها للعبرة والتاريخ وهذا ما أفعله هنا
الثلاثاء، 3 يناير 2017
الثورة الآن لماذا
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق