بسم الله الرحمن الرحيم
العصيان المدني و حيلة الثعلب
من طبيعة الأنظمة العسكرية المستبدة ذات الطبيعة المؤسسة لايكون للرئيس خيار غير العمل داخل الصندوق وإن ظن هو وكثير من الناس أن الأمر بيده. ولأن نظام البشير يمثل استبداد تنظيم عقدي لايعبر فيه الرئيس الا عما يدور بداخله وكثيرا ما حاول الدكتور الترابي العودة بالانقاذ الى الحريات واستعادة الديمقراطية الى أن وصل الخلاف الى طريق مسدود ونقطة فاصلة وأعلن الترابي في العام 2000 م أن إعلان الطوارئ والأحكام العرفية يعني خرق للدستور ومفارقته للنظام .فتم تحضير لذهنية الرئيس بسقوط عدد من المدن في أيدي متمردي الجنوب أشهرها توريت بمشهد درامي لا يعبر عن الموقف في الميدان فأعلن الرئيس الطوارئ وحل البرلمان وكانت المفاصلة . أبعد التنظيم الأمين العام لأنه فكر خارج الصندوق. هذا في السودان لأن الحاكم التنظيم أما في مصر لأن الحاكم مؤسسة الجيش فندما حاول الرئيس مبارك التفكير خارج الصندوق بتوريث إبنه جمال. مما أوحب على المجلس العسكري تنحيته ولكن هذا الفعل يحتاج الى سيناريو .فكانت ثورة يناير بصناعة المخابرات العسكرية حيث تبنى الدعوة لها شاب مجهول (وائل غنيم ) وشباب غير منظم ثم تبنتها شخصيات مشهورة عالميا مثل البرادعي وزويل وبعض الأحزاب. العريقة والصغيرة مثل الوفد وبلعت القوى السياسة الحية الطعم مثل جماعة الأخوان المسلمين والتجمع اليساري وظنوها ثورة حقيقية . رغم أن دخولهم أربك حسابات المخابرات العسكرية الا أن تحقيق الهدف أولى من قمع الثوار وبعد تنحي مبارك حاول العسكر استعادة الأمور الى نصابها مع إعطاء بعض الفسحة والمكاسب للإخوان واليسار ولكن رفع السقف والطموح الثوري فرضا على العسكر سحق الثوار وقتل الإخوان في رابعة بعد الإنقلاب على مرسي وعادت مؤسسة الاستبداد أكثر دموية وأشد قبضة ومكنتها الثورة من معرفة القوى الحقيقية لخصمها السياسي وظهور كوادره المخفية . فعملت على ملاحقتهم بالإعتقال والتصفية الجسدية وتم تجريف كامل لها.
حاول التنظيم المستبد في السودان تدوير نفسه عندما أحكم البشير قبضته بعد إبعاد الترابي وتجاوز السقف بعدم تسليم السلطة للقيادة المدنية مستغلا خلاف داخلي وصراع حول الكرسي وظن أن مذكرات الإصلاح الداخلي صوت حقيقي لصالح الحرية ومحاربة الفساد ولكن المقصود أن يسلم السلطة لخلفه المدني .
بعد إنفصال الجنوب في انتخابات 2010 م . استمر الضغط على الرئيس تنظيميا لانتقال الرئاسة الى المدنيين وداخليا لانتقال السلطة الى نظام ديموقراطي وعالميا بملاحقة الجنائية الدولية . مما جعل البشير يفكر خارج الصندوق لتبني حل جدي مع القوى السياسة السودانية المعارضة والتي تحمل السلاح فكانت مبادرة الحوار الوطني . تعامل معها الحزب الحاكم في البداية باستخفاف ولم يقدم أي ورقة للمؤتمر في القضايا المطروحة ليس لفقره وإنما ظنا منه أن الأمر لا يستأهل . ولكن جدية البشير وصبره على الحوار ثلاث سنوات حتى تم التوقيع على الوثيقة الوطنية جعله يقترب من خط اللاعودة مع التنظيم ،الذي استشعر الخطر ليعيد ذات سيناريو المخابرات العسكرية المصرية بصناعة الثورة إما يتراجع البشير عن الحوار أو المضي قدما وتنحيته بسيناريو مبارك فتم تحضير المشهد بمظاهرات محدودة ثم اعلان اعتصام مدني الشهر الماضي ولكن يظهر أن البشير فعلا وصل إلى خط اللاعودة مع التنظيم وهو يقول لخاصته في ونساته بعد عودته من أبوظبي أنه يواجهة معارضة شرسة من الإسلاميين في حزبه والشيوعيين في المعارضة .
إن دعوات العصيان لا شك عندي أنها صنيعة التنظيم العقدي المستبد يمثله الأمن الشعبي وبعض أزرع المبعدين علي عثمان وأسامة عبدالله وإخوانهم في الأمن الوطني والاستخبارات العسكرية وبعض الجيوب الأخرى . ففي الوقت الذي يتساءل فيه الجميع عن مصدر الدعوة ومجهولية الداعين تظهر صحف الخرطوم بإجتماع الحزب الحاكم مع شباب الإعتصام . ولأن طبيعة مثل هذا الإجراء الحساسية دائما ما يدار خارج الحدود بعيدا عن أعين الرصد من الأجهزة الرسمية ومساندي البشير . فكثير من الناشطين في هذه الخطوة خارج الحدود.
وللاسف كرر التنظيم نفس تكتيك المخابرات العسكرية المصرية وتكرر المعارضة السودانية نفس خطأ الإخوان المسلمين في مصر وهي تؤيد العصيان وتنخرط في الدعوة اليه والاعلان عنه . وبذلك تسهل على النظام معرفة كوادرها وقياداتها الشبابية الفاعلة وتجريف ما تبقى من قيادات نقابية في الخدمة المدنية . فالشباب غالبهم خارج الخدمة وسيتحمل الكادر الحزبي تنفيذ العصيان فالغير محزبين لن يستجيبوا من الوهلة الأولى الا بعد التأكد من نجاح وقوة الخطوة .
إن شدة إنتقاد شباب محسوبين على النظام بهذه الحدة والسخرية لهو مؤشر أن الأمر أكبر من مبادرة شباب يريد التغيير . ويبقى السؤال مطروحا ماذا بعد أن ينجح الإعتصام ؟ فالذين يعتقدون أن النظام سيسلمهم السلطة في صينية من ذهب في بيوتهم عليهم الاستعداد للمواجهة لاسقاط النظام ، وخيرا فعل المؤتمر الشعبي وهو يفرز كومه .برفض العصيان والتمسك بالحوار طريقا آمنا لحل وطني توافقي.. بدلا من الجري وراء الثعلب فيتقطع ذيولنا .
اسماعيل فرج الله
12ديسمبر2016
قد تأتيك خاطرة أو تنبت فكرة لكن الزمن ينسيك فتحتاج توثيقها للعبرة والتاريخ وهذا ما أفعله هنا
الثلاثاء، 3 يناير 2017
العصيان المدني وحيلة الثعلب
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق