السبت، 19 يناير 2013

أدعوهم لآبائهم


بسم الله الرحمن الرحيم
أدعوهم لآبائهم
عالج الإسلام قضية   التبني  من منظور  أخلاقي حتى لا ينسب حق لغير أهله ولا باطل لبرئ عنه . وفيه إشارة أن الحقيقة لا يمكن التعمية عليها ،فيستحيل تبديل المشاعر الفطرية للأمومة والأبوة والأخوة وما يترتب عليها من علاقات ، ولا تغير الأنساب لمجرد ورقة مكتوبة أو عاطفة مدعاة .فقد حكا القرآن الكريم في سورة كاملة قصة نبي الله يوسف الذي تبناه عزيز مصر وكيف طمعت فيه زوجة العزيز عندما شب فتياً في مسلك يخالف الطبيعة البشرية التي غرزت في الأم رؤية إبنها صغيراً وإن أصبح شيخاً في حماية ربانية للأسرة وسلامة للمجتمع ،الشئ الذي لا يتوفر في حالة التبني بحيث تطغى المشاعر الإنسانية على مشاعر الرحم المتوهمة وهذا ما أكده القرآن بأمره للرسول محمد (ص) أن يتزوج زينب بنت جحش طليقة حبه زيد بن حارثة الذي تبناه في مرحلة من حياته . وفي هذا إشارة الى التزام المعايير الأخلاقية في التعاطي مع العلاقات الإنسانية وهذا ما يؤكده قوله تعالى :(ذلك أقرب للتقوى)  .
في أواسط القرن الماضي في الحقبة التي أعقبت حركات التحرر في البلدان العربية والإسلامية ونالت الاستقلال على إثرها ، حكمت عدة تيارات علمانية كما في تونس والجزائر أو يسارية شيوعية كما في حكم مايو في السودان او قومية عربية كما في حكم مصر عبد الناصر وبعثية كما في حكمي سوريا والعراق . وتحولت كل هذه الثورات الى حكم دكتاتوري باطش أورث القهر والفساد ، مما أوجب على الحركات الدينية (الإسلام السياسي) مكافحة هذه الحكومات والسعي لإسقاطها فنالت على إثره شتى صنوف العذاب من هذه الأنظمة . ولكن بعض دعاة الحرية والعدالة من العلمانيين أو المنشقين عن هذه الأنظمة ظلوا ينسبون أفعالها الباطشة وفسادها المستشري الى زعماء تلك الأنظمة ورؤساء تلك الدول ، وظلوا يقولون عن الحكم الشيوعي في السودان نظام مايو وحكم النميري وعن النظام العلماني في مصر حكم عبد الناصر ونظام مبارك وعن حكم البعث في العراق نظام صدام وعن البعث في سوريا نظام الأسد وكذلك فعلوا مع الحبيب بورقيبة في تونس والشاذلي بن جديد في الجزائر ، في محاولة منهم أن يبرئوا النظام العلماني والفكر القومي من الاستبداد والفساد ويعلقوا ذلك على رقاب الحكام ونظامهم الشمولي .
ولكن هذه المعايير اختلت عندما أرادوا وصف الوضع في السودان فذات المسلك الذي سلكه العلمانيين والقوميين باستلام السلطة بالقوة بواسطة إنقلاب عسكري ، استلم الإسلاميين السلطة بانقلاب الثلاثين من يونيو 89 إلا أنهم هنا لم ينسبوا بطش الإنقاذ ولا فسادها للبشير وأعوانه والإنقاذ وقيادتها بل جهدوا في لصقه بالحركة الإسلامية وفكرها رغم ما هو مخطوط في كتبها ومقرراتها عن إيمانها بالحرية والديمقراطية  كوسيلة للتبادل السلمي للسلطة ، بل ذهبوا أكثر من ذلك حينما يصرون على تحميل الدكتور الترابي وقيادات الشعبي كل أخطاء الإنقاذ حتى بعد المفاصلة رغم مفارقتهم لها وإعلانهم التوبة والاستغفار عن الانقلاب وأخطائه والعمل على معارضة النظام وإعلان سعيهم لإسقاطه ، ولكن كلما سنحت فرصة للتأكيد على أن ثورتهم هي ليس على البشير واستبداده وإنما على الترابي وفكره لا يفلتونها في مسلك غير أخلاقي سياسياً فإن التزموا معايير التوصيف وتحميل الأخطاء للأنظمة وليس للفكر كما في حالة مصر والعراق وتونس وغيرها من الدول يجب عدم وصف الفكر الإسلامي بالاستبداد والشمولية والإقصاء لمجرد سلوك الإنقاذ وظلمها للشعب أما إن أرادوا ذلك فلن نستثني الشيوعيين في السودان ولا البعثيين في سوريا والعراق ولا العلمانيين في تونس ومصر . وهنا تحضرني مقولة الشيخ الغنوشي عن تونس حين قال :(فقد دعم نظام بن علي المستبد علمانيون وشيوعيون وإسلاميون أصوليون وعارضه علمانيون وشيوعيون وإسلاميون أصوليون  فما عادت التحالفات تقوم على أفكار وأيدلوجيات وإنما نحالف كل من يؤمن بالحرية والديمقراطية .) وهكذا يجب أن يكون الحال في السودان فليس من الحكمة استبدال إسلامي مستبد يعلماني شمولي ولا ينسب فساد الانقاذ واستبدادها الي الترابي وحزبه بل ينسب الى البشير وأعوانه ولن تجدي محاولات التبني التي يراد لصقها بالشعبي بعد مفارقة النظام.


م. إسماعيل فرج الله
عطبرة 20/01/2013م

السبت، 12 يناير 2013

طارق محجوب المرسال مشى وماجاء


بسم الله الرحمن الرحيم
طارق محجوب -- المرسال مش وما جاء
  بدت في العشرين سنة الأخيرة ظاهرة مقلقة في الأحزاب السياسية السودانية ولو كان الأمر مقتصراً على الأحزاب الصغيرة أو الحركات الحديثة لقلنا ذلك لعدم خبرتها في العمل السياسي وحداثة تجربتها التنظيمية أما أن يضرب الأمر الأحزاب العريقة  فهو مدعاة للتأمل وسأتعرض للمشهور منها وأترك الدراسة بالتفصيل لمراكز الدراسات السياسية والإستراتيجية (رد الله غربتها) .
ففي مطلع القرن الواحد والعشرين وبعد مرور عشر سنوات على على حكم الإنقاذ تقدم الإمام الصادق المهدي بخطوة جريئة بالحوار مع النظام فيما سمي بـ(نداء الوطن) خصوصاً وأن الحوار تم بعد إنشقاق الترابي عن الأنقاذ التي أشفق عليها الكثيرون  من استفراد السياسي المحنك سليل المهدي بها وإجبارها على تقديم تنازلات كبيرة كإستحقاق للإتفاق مع حزب رئيس الوزراء المنتخب قبل الانقلاب في االثلاثين من يونيو89 .فقدم حزب الأمة القومي أمينه العام السيد/مبارك الفاضل رئيساً لوفده المفاوض للنظام ، وبعد جولات تفاوضية تم الاتفاق على وثيقة (نداء الوطن ) وبموجبها كان على حزب الأمة المشاركة في السلطة الا أن الإمام الصادق تراجع عن الخطوة برفض المشاركة مما أحرج الأمين العام للحزب الذي تمسك بالاتفاق بداعي المؤسسية ليجد مبارك الفاضل نفسه وحيداً في القصر الجمهوري ومنشقاً عن حزبه ليؤسس حزب الأمة الإصلاح والتجديد. كما لم يتوانى السيد الصادق المهدي من فصل نائبه السيد نصرالدين المهدي عن الحزب بعد توقيعه على ميثاق الجبهة الثورية وهو نفس المصير الذي استحقه القياديان بالحزب الاتحادي الديموقراطي علي محمود حسنين والتوم هجو من السيد /محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب.
وهو  ذات الشئ الذي حدث مع العديد من حركات دارفور المسلحة ،فكلما تقدم فصيل منها يحاور النظام الا كانت النتيجة انشقاقه لنصفين وكان أشهر هذه الإنشقاقات إنقسام فصيل عبدالواحد نور بعد مفاوضات أبوجا ليعين مني أركو مناوي مساعداً لرئيس الجمهورية .ولم تسلم حركة العدل والمساواة من مصير حركة عبدالواحد نور حتى تكاثرت الحركات المسلحة الدارفورية الى أكثر من عشرين فصيلاً.

  الا أن هذا الطوفان  لم يستثن حزب الحكومة حيث وقع الدكتور نافع علي نافع إتفاقاً مع الحركة الشعبية قطاع الشمال في أديس أبابا فيما عرف بإتفاق نافع –عقار ،الذي نقضه الرئيس البشير من على منبر مسجد النور بضاحية كافوري .
أما حزب المؤتمر الشعبي بزعامة الترابي كان أكثر حظاً في ذلك حيث وجد الأستاذ/عبدالله حسن أحمد  نائب الأمين العام  نفسه في مواجهة  مع حزبه بعد التوقيع على وثيقة  الدستور الإسلامي  ،زائداً تصدي الدكتور الترابي بنفسه والقفز فوق توقيع أمينه السياسي على دستور   انتقالي يدعو  للعلمانية صراحة ليخرج   د.الترابي   بحنكته السياسية من  هذا المأزق .أما ثالثة  الأسافي توقيع المهندس طارق محجوب على وثيقة الفجر الجديد بكمبالا بمعايبها البائنة من فرض للعلمانية وطول الفترة الإنتقالية وإقرار العمل المسلح وتقسيم أقاليم السودان على أساس عرقي وإعادة تشكيل الدولة السودانية على أساس ثقافي عرقي لاسياسي دستوري ، مما جعل أمانة الحزب وبالإجماع ترفض الوثيقة وتتبرأ من تفويض المهندس /طارق محجوب إنابة عنها في كمبالا .
أما الظاهرة المشتركة في كل الأحداث هي موافقة الأحزاب وبعلم رؤسائها وأجهزتها بذهاب هذه القيادات للتفاوض عنها ثم تتنصل عن إتفاقاتهم بعد أن يستدرك رؤسائها ليجد المفاوض نفسه بين الوفاء للعهد الذي أبرمه أو الخضوع لقرار رئيسه وينقض الإتفاق . وغالباً ما يختار الالتزام بما وقع عليه والإنشقاق عن حزبه .الا في حالة الإسلاميين ،ففي المؤتمر الوطني إنحنى الدكتور /نافع علي نافع للعاصفة وآثر الإستمرار في منصبه وعدم مصادمة الرئيس البشير ،وكذلك فعل الإستاذين/ عبدالله حسن أحمد وكمال عمر عبدالسلام عند رفض إتفاقهما من قبل دكتور الترابي . فهل ذلك راجع إلى إلتزامهما التنظيمي أم الى خلفيتهما العقدية القائمة على طاعة الأمير.؟
ونحن هنا معنيبن بإتفاق كمبالا وحق لنا أن نتساءل ،كيف فات على المهندس /طارق محجوب وهو من نال تدريب استراتيجي قائم على جمع المعلومات وتحليلها بحكم أنه ضابط أمن سابق .وكيف فات عليه أن يقرأ أفكار الدكتور الترابي    ومطلوبات المرحلة في حزبه .فبينما وافق حزب المؤتمر الشعبي على مذكرة التفاهم مع الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق قبل الإنفصال بل دفع ثمناٌ إعتقال متطاول في سجون النظام للأمين العام وغالب قياداته بالمركز والولايات ، وهي التي قامت على العمل من أجل استدامة الحرية والإلتزام بالعمل السلمي مع موافقة الحركة الشعبية للتحول لحزب سياسي مع إقرارها بالدين مكون دستوري للسودان .ومقارنة هذا الموقف مع رفض الترابي وحزبه لوثيقة الدستور الإسلامي التي وقع عليها نائب الأمين العام للمؤتمر الشعبي مع قوى إسلامية سلفية وصوفية من بينها الحزب الحاكم . كما رفض توقيع الأمين السياسي على دستور يعرف السودان على أنه دولة مدنية مع قوى الإجماع الوطني بحجة أن تفسيرها أقرب الى العلمانية ، لينبري لها دكتور الترابي رافضاً ومحاوراً حتى خرج على الإعلام مهدداً بخروجه من التحالف المعارض إن لم تسحب كلمة المدنية من التعريف .
فمن المؤكد أن المهندس/طارق محجوب المتواجد في كينيا طار الى كمبالا بعد اتصال به من قبل الخرطوم فهو غير معروف عنه النشاط الإعلامي ولا السياسي بالمقابل فهو غير معروف للقوى المعارضة بالخارج مما يستوجب التعريف به وهذا ما ألمح إليه الأستاذ /ياسر عرمان في تصريحات صحفية مؤخراً . ولكن المحير في الأمر لماذا وقع الإختيار على المهندس /طارق محجوب لتمثيل حزب المؤتمر الشعبي في حوار كمبالا وهو الخطوة المهمة في في تطور المشهد السياسي المعارض بإجتماع القوى السياسية بالداخل مع المعارضة المسلحة بالخارج ، مع العلم أن بعض القوى والأحزاب والحركات مثلت في هذا الإجتماع بمستوى رفيع بدرجة رئيس الحزب كما في حال مالك عقار والاستاذة/هالة عبد الحليم والأستاذ/عبدالواحد نور والدكتور/جبريل إبراهيم ولم يغب السيد/مبارك الفاضل بثقله القيادي داخل حزب الأمة القومي رغماً عن وجود ممثل لحزب الأمة في هذا الإجتماع . فكان الأولى وجود الدكتور /علي الحاج محمد نائب الأمين العام للمؤتمر الشعبي وبخبرته في التفاوض من لدن فرانكفورد 1992م الى أبوجا وكل جولات التفاوض مع الحركة الشعبية في العشرية الأولى من الإنقاذ .وهو الموجود بالخارج حيث يقيم في ألمانيا ،أو الإستعانة بالأستاذ/المحبوب عبد السلام رجل مذكرة التفاهم مع الحركة الشعبية بسويسرا التي يمكن أن تسعفه بنجاحات ومكاسب يوافق عليها حزبه .
لكن المهندس/طارق محجوب لاينقصه الذكاء ولا العلم ولا الدراية ومع ثورة الاتصالات لم يكن وحيداُ فيمكنه مشاورة الثقاة أو الأماتة السياسية بالخرطوم فمن الذي دفع به لمهر إسمه في هكذا إتفاق لم تسعف حتى الذين دفعوا به الى التفاوض بالدفاع عنه وعن الوثيقة حتى تعالت أصوات بمحاسبته بل طالبت بفصله من الحزب لمخالفة الوثيقة للنظام الأساسي للحزب ولمنهجه الفكري وإرثه التاريخي مما دعى أمانة الطلاب بالمؤتمر الشعبي بإصدار بيان ترفض فيه وثيقة الفجر الجديد . فقد كان ومأمولاً في المهندس/طارق محجوب أن يذهب إلى كمبالا يحمل عصارة علمه وفكره ويضع كتاب المؤتمر الشعبي على طاولة التفاوض يقنع به الآخرين مستصحباً معه مذكرة التفاهم مع الحركة الشعبية ومسودة البديل الديموقراطي والدستور الإنتقالي المتفق عليه من قبل قوى الإجماع الوطني ، إلا أن وجوده خارج البلاد مغترباً في كينيا يظهر أنه كان مشغولاً بحياته الخاصة وغير متابع لمجريات الأحداث ،مما جعله يخرج صفر اليدين من هذا الإجتماع حتى كتب معاتباً الرفاق على صفحته الخاصة في الفيس بوك يشكو من حملهم عليه مما أسماه خطأً واحداً وهو يقول (كفى بالمرء عيباً أن يقول كل ما يعرف ) حتى بات قريبا من أن يفقده المؤتمر الشعبي فإنطبق عليه القول المرسال مشى وما جاء) .


م. إسماعيل فرج الله ً
عطبرة 12/01/2013م

الأربعاء، 9 يناير 2013

الفجر الجديد أم الضوء الشارد


بسم الله الرحمن  الرحيم

الفجرالجديد أم  الضوء الشارد

واحدة من أعظم الأشياء التي استطاع إنجازها الدكتور جون قرنق طوال مشواره النضالي وحدة المقاومين الجنوبيين خلف برنامجه الداعي للسودان الجديد الذي يقوم على الهوية الأفريقية والدولة العلمانية الموحدة  ،ولا ينقص من ذلك انشقاق بعض قادته الميدانيين وتوقيعهم اتفاقية الخرطوم للسلام في العام 1996م مع النظام حيث الانشقاق كان وفق منهج فكري دعا فيه المنشقين الى التخلي عن فكرة السودان الجديد والعمل لدولة الجنوب المستقلة ،لكن بعد مراوغة نظام الخرطوم لهم وانهيار الاتفاقية إستوعبهم الدكتور جون قرنق في الحركة الشعبية لتحرير السودان وبمناصب رفيعة في قيادتها وبعض التنازل منه والتوافق على  العمل لتحقيق السودان الجديد معا وإلا الرجوع لخيار الانفصال جميعاً لتكون في النهاية النتيجة التي أزهلت الكثيرين بتصويت الغالبية الساحقة من الجنوبيين للانفصال وبشبه إجماع منهم على فرحتهم باستقلال وطنهم عن بقية السودان.
هذه الوحدة المنهجية وعلى فكرة واضحة مكنت الحركة الشعبية من نيل تفويض شعب الجنوب لها لإدارة خياراته رغم اختلافاته العرقية والدينية والسياسية ليختار (سلفا) رئيساً لدولته الجديدة الشئ الذي عجزت عنه حركات دارفور حيث كل من يتقدم لمفاوضة النظام ينشق عن حركته الأم ولا يستطيع الرجوع اليها اذا خالف النظام ثانياً بل يستمر منشقاً عنها ويقاتلها في بعض الأحيان في ظل الصراع على الآرض الضيقة التي يسيطرون عليها مما أنهك قواهم ،حتى فاق مجموع الحركات الدارفورية الحاملة للسلاح العشرين مجموعة رغماً عن وحدتها الإثنية ومطالبها التنموية والخدمية وتلخص  برامجها السياسي في إعادة التوازن للدولة السودانية بما  يحقق تطلعات شعوبه في دولة العدل والمساواة وفك سيطرة المركز لصالح الأقاليم والتمييز الايجابي للمهمشة منها ،وهي بذلك أقرب الى الحركات الاحتجاجية لنيل الحقوق المدنية منها  إلى الحركات التحررية الاستقلالية  .لكن الحركة الشعبية للتحرير السودان قطاع الشمال أخطأت خطأ فادحاً بسعيها لمحاولة استنساخ تجربة الدكتور جون قرنق في العمل الثوري بتبني العلمانية منهجاً والحديث باسم الشعب،فبعد إنفصال  الجنوب أصبح الشعب  الاسلامي العربي هو غالب أهل السودان فالدعوة للتحرير منه دعوة ضلالية تصادمية الا إن كان تحريره من نفسه وفي الحال هذه تكون حركة سياسية فكرية وهذا ما كان ينبقي أن تسير عليه الحركة الشعبية قطاع الشمال   خصوصاً وأن رئيسها (مالك عقار) كان حاكم إقليم النيل الأزرق وبإنتخابات معترف بها دولياً ،فكانت الفرصة مواتية لعمل نموذج واقعي يجسد فكره واستنساخه لبقية الأقاليم . الا  أن الشئ الموجب الذي يحسب لقطاع الشمال سعيه لوحدة المقاومين للنظام فكان من المؤسسين  للجبهة الثورية بل رئيسه ملك عقار هو رئيس الجبهة الثورية  ،وكذلك اجتماع القوى السياسية  ومنظمات المجتمع  المدني  في الداخل (قوى الإجماع  الوطني )  مع الحركات االمسلحة والجبهة  الثورية في كمبالا  مؤخراً يحسب لقطاع الشمال حيث عجزت قوى   الداخل من التقدم تجاه الحركات  الدارفورية التي تمنعت من الحوار معها  قبل هذا الاجتماع  ،  لكن الشعب السوداني يريد وحدة قواه السياسية وتوافقها على الحد الأدنى وقد استطاع فرض هذه الارادة على قوى الاجماع الوطني حيث رأينا كيف يتعانق الدكتور الترابي والأستاذ نقد في حميمية الزمالة وسماحة السودانيين ويجتمع حولهما كل الوسطيين من أقصي اليمين الى أقصى الشمال حتى بات المؤتمر الشعبي يصرح بأن الحزب الشيوعي أقرب اليه من أي حزب آخر ، ثم وقعت قوى الاجماع الوطني وثيقة البديل الديموقراطي  والكل يستبشر بالدستور الانتقالي الذي توافقت عليه الأحزاب السودانية المعارضة ، وكان المأمول أن تذهب قوى الداخل الى هذا الاجتماع وهي تحمل سفرها (البديل الديمقراطي والدستور الانتقالي) تحاور به حاملي السلاح وتقنعهم  بجدوى العمل  السلمي الذي تدعمه ثورات أكتوبر وأبريل وثورات الربيع العربي والتوقيع معهم على ما إجتمعت عليه في الخرطوم . لكن للأسف هذا الاجتماع ووثيقته الموقع عليها أرجعنا الى الوراء سنين عددا ،فقد تشتت بعده الأحزاب وأنتج  صراع الأفكار  ثانية (علماني وإسلامي) وصراع الهوية (عربي وأفريقي) ففي الوقت الذي توافق فيه الثوار في الربيع على الحرية والعدالة أراد الفجر الجديد أن يلزم الجميع بالعلمانية وفي زمن العولمة والانفتاح وتعدد الجنسيات حيث إستطاع مهاجر أمريكي أن يحكم أعظم دولة في العالم، يرجع بنا ميثاق كمبالا سبعة آلاف سنة في التاريخ ليحدد المواطنة ومن أحق بالأرض ، وفي الوقت الذي يشفق فيه السودانيين على وطنهم من التشظي والانقسام يقر ميثاق الفجر الجديد تقسيم الأقاليم على أساس عرقي ، وفي الوقت الذي يرفض فيه الشعب السوداني الدكتاتورية يمطون الفترة الانتقالية ويكرسون السلطة في يد الرئيس الانتقالي الذي غير معروفاً طريقة اختياره بعد إسقاط النظام ،وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم موجات من التحرر والانعتاق من الهيمنة والتبعية للنظام العالمي يخنقنا الميثاق بكل القوانين والمواثيق الدولية ويصادر حقنا في الاختيار بالموافقة على مايناسبنا منها ورفض الباقي .
سادتي الشعب السوداني غني بكوادره الفكرية والسياسية وعليم بتجاربه الثورية السلمية لن يعجز عن إيجاد مخرج من مأزقه الحالي يتوافق فيه الجميع على الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة على أساس المواطنة وحتماً سيلحق بالضوء الشارد.


م. إسماعيل فرج الله
عطبره 10/1/2013م

السبت، 22 ديسمبر 2012

قوش والبرنس الشطب المجحف والاعتقال المذل


  1. بسم الله الرحمن الرحيم
  2. قوش والبرنس :- الشطب المجحف والاعتقال المذل
لازالت تراجيديا المحاولة الانقلابية الأخيرة مستمرة ولا أعني هنا ما أعلن عنه أخيراً من محاولة انقلابية ثالثة بقيادة عقيد بالقوات الخاصة وهي للعلم الوحدة العسكرية التي ينتمي اليها المشير معاش  البشير قائد انقلاب الانقاذ وهي من هذا الباب محل فخر القوات المسلحة مما يغري قادتها  بتسلق المجد من تشويق حكاويه في كتيبتهم، المحاولة التي أعني تلك التي أعتقل قادتها قوش وود ابراهيم فقد اجتهد معدها في قطع الطريق على دعاوي الاصلاح واقصاء المنادين به من داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية خصوصاً بعد مؤتمر الحركة الاسلامية وما كان يظن سادة النظام ولا مهندسوا المبادرات أن التململ وصل تلك المناطق الحساسة من النظام . والذي زاد الأمر غرابة أن الداعين لمحاربة الفساد واتاحة الحريات هم ضباط بالقوات المسلحة وجهاز الأمن والمخابرات الوطني وبالقطع ستكون الشرطة أفضل حالاً منهما لكونها أقرب للحس المدني منها للعسكري وغالب ضباطها نالوا دراسات قانونية مما يؤهلهم لاحترام القانون والغضب من عدم احترامه وان كان متجاوز القانون أحد أعوان النظام أو قادته وبنفسي شهدت عدد من الحالات التي اصطدم فيها ضباط الشرطه ببعض محسوبي النظام رغم معرفتهم أن ذلك قد يكلفهم وظيفتهم أو النقل والابعاد . ومصدر الغرابة الذي أربك النظام هو دعوة تلك الأصوات للاصلاح وبصوت عالي والدعوة للتفاكر حول الحلول بجلسات ومنتديات رغم المرجو من منسوبي الأجهزة الأمنية العمل السري ولكن لأن أغلب الضباط في قيادة هذه الأجهزة هم دخلوها من باب التمكين للمشروع الاسلامي والاستجابة للتعليمات التنظيمية وهم بالأساس كوادر سياسية لها قدرة عالية على ادارة العمل التنظيمي والتحليل السياسي لما نالوه من تدريب وتأهيل خلال عملهم بالجبهة الاسلامية فهم يعرفون أن لا فوارق بين الأخوان هنا وهناك وليس هناك أي مساحة لأي عمل سري لتشابك الخطوط ووحدة الفكرة حيث يصعب اكتشاف أي اختراق أمني فأسلم طريقة لحشد التأييد ومعرفة الأنصار هو العمل العلني بحيث لايصبح هناك سر يخافون من افشائه . لذلك كانت دعاويهم واضحة ايجاد مخرج سياسي من الآزمة الطاحنة التي تكاد تعصف بالبلاد مع محاربة الفساد وتحقيق العدالة بالاتفاق مع القوى السياسية المعارضة والحوار مع الحركات المسلحة حيث تم الاعلان عن توقيع 700 ضابط لمذكرة تطالب بالاصلاح واقالة وزير الدفاع ثم أخيراً يجري الحديث عن توقيع 1000 آخرين يطالبون باطلاق زملائهم المعتقلين، فكان الاخراج لها بهذا الشكل بدعاوي الانقلاب والتخريب حتى يعزلوا عن محيطهم الحركي وخاصة ذو الطابع الجهادي بتصويرهم بالانقلابيين الخارجين عن الأطر التنظيمية ومخاطبة عموم المواطنين بأنهم يسعون لتخريب الوطن وزعزعة أمنه ولأن بعض المتشددين لاينكرون الانقلاب كحل أخير تم الاعلان عن تعاون الانقلابيين مع بعض المشعوذين للتشكيك في عقيدتهم وعزلهم من محيطهم الأصولي . ولكن كما ذكرنا سابقاً أن معد هذا السيناريو فات عليه أنه كشف ظهر النظام بفعلته هذه .
هذا ما رمى اليه سادة النظام من مسرحية الانقلاب ولمهم مبرراتهم ، أما بعض القوى المعارضة لم تخفي شماتتها ولم تستر انتهازيتها باستمتاعها بفصول مسرحية نظام البشير فالبعض منهم لم يبخل ببعض المشهيات أو توزيع المكسرات مجاناً على جمهور المشاهدين من شماتة على المعتقلين أو الايعاز أن هذا الفصل المسرحي صحيح للتأكيد على فكرة براغماتية الاسلاميين وأنهم لايجيدون غير استخدام القوة ولايملون صراع السلطة ، بل دبجوا في ذلك المقالات  وأطلقوا لاقلامهم العنان يتوهمونها الفرصة الأخيرة في تكرار ممل قبل أن يفيقوا الى عداد السنين الذي قفز على العشرين وهم لايستفيدون من تجاربهم ولا يتعظون من غيرهم .
الفريق صلاح قوش دافع عن الانقاذ وأمسك بأصعب الملفات منذ مصنع اليرموك وتأمين البترول وادارة العمليات استطاع أن يحمي الانقاذ عشرون عاماً ورغم اختلافنا معه حول وسائله في ذلك لكن الضغط الكثيف الذي تعرض له من المعارضين كان كاف أن يرديه المهالك أو الانزواء الى طي النسيان لكن الرجل استطاع أن يلعب دوراً عالمياً بتعاونه الدولي لمكافحة الارهاب والتطرف حتى شطح البعض باتهامه بالعمالة للأمريكان . ثم دلف الى القوى السياسية يحاورها حتى تندر البعض من أن الحكومة تدير ملفاتها السياسية بعقلية أمنية أي بمعالجات جهاز الأمن الذي على رأسه قوش ، حتى زاحم في ذلك الحزب الحاكم الذي صرعه خارج المؤسسة الأمنية في صراع شهير على شاشات التلفزة ، ولكن الرجل لم ييأس أو يجلس محبطاً في بيته بل استمر في التأسيس لقناعاته بالحوار مع القوى السياسية من منصبه الجديد مستشاراً للأمن وهذا ما اعترف به الامام الصادق بعيد اعتقاله . المراد أن هناك قناعة تولدت لدى قوش بوجوب الحل السياسي وحتى لايقول قائل عنه أنه أتى متأخراً فالمهم سعيه للاصلاح من موقع مسئوليته ودفع استحقاقاً لذلك وظيفته وها هو الآن معتقلاً يدفع ثمن قناعاته والله حده يعلم مستقبل مصيره ،وفي اعتقادي أن الخطأ الكبير الذي وقع فيه قوش هو اعتقاده أنه يحمي مشروع حركة يتجاوز الأشخاص وحاول العمل من هذا المنطلق ولكن الحقيقة أن الانقاذ أصبحت مشروع سلطة لحماية فرد بل أصبح مدح البشير واغداق الاوصاف عليه واحدة من فروض الولاء للنظام فأصبح مسموحاً بكل نقد داخل النظام الا لشخص الرئيس وما درى قوش أنه دخل المنطقة المحظورة التى اطاحت بالترابي  . فتبارى جنود البشير في التنكيل به حتى يبرئوا أنفسهم ويؤكدون فروض الطاعة . فكانت نهايته مزلة لاتشبه مآلات كثير من الاشباه في الانظمة العربية والاقليمية التى تحجر على المتفلتين والناقدين من قادتها أو تفرض عليهم الاقامة الجبرية أو في بعض الحالات النفي خارج البلاد لكن قوش كان مصيره السجن فيما غير رحمة أو لمسة وفاء لعطائه السابق وهذا لعمري يولد حالة من الاحباط والارباك وسط الأعوان . وهذا ان حدث لشئ غير أنه خرج أبعد من الدائرة المسموح له بها من السلطة وكل من ينازع البشير في حكمه لن يجد شفيع ولا تاريخ يغفر له فهو ليس الا موظف يعمل بمقتضى ارادة الفرعون وكل صاحب ارادة ذاتية غير مرغوب فيه مهما كانت منطلقاته . وهذا بالقطع ما حدث للاعب الهلال هيثم مصطفي الذي عزفت لحبه الأناشيد وتغنت بموهبته الجماهير ولكنه أن كان قائد وكابتن الفريق الا أنه في النهاية لاعب كرة قدم وأي تطاول لأخذ دور اداري خطأ لن تشفعه له سبعة عشر عاماً قضاها لاعباً بالهلال ولم تمنع الجماهير المعتصمة شطبه فكان الطريق الوحيد المفتوح له لرد الاعتبار التسجيل بالمريخ لاغاظة شاطبيه وتاكيد جدارته رغم انقسام المريخاب حول تسجيله فلولا اعتقال قوش هل كان سيعلن انضمامه للمعارضة التي بلا شك ستنقسم حوله وقد فعلت وهو معتقل .
م. اسماعيل فرج الله
عطبرة 22/12/2012م

الثلاثاء، 18 ديسمبر 2012

الحركة الاسلاميةالبصيرة ام حمد


بسم الله الرحمن الرحيم
الحركة الاسلامية :البصيرة أم حمد
القصة في الأدب الشعبي أن ثوراً ورد ماءاً من زير فأدخل رأسه ليروي عطشه فشرب ولم يستطع اخراج رأسه من الجرة فتم الاستعانة بالبصيرة التي أفتت بقطع رأس الثور لنزع الزير سالماً وعندما أرادوا اخراج الرأس منه أمرت بكسر الجرة فمات الثور وانكسرت الجرة ، وهذا ما حدث من الاسلاميين في السودان عندما أرادوا أن يشربوا من بحر الدين الذي يؤمنون بشموليته وضرورة عودته للحياة العامة سياسة للحكم وشريعة للمجتمع فما أن أدخلوا جماعتهم في المنافسة السياسية وتحويلها لحزب سياسي ينافس على الحكم حتى وجدوا أنفسهم مضطرين بالانقلاب على الديموقراطية واستلام السلطة بالقوة العسكرية وظنوا  بفعلتهم هذه يروى ظمأهم لتطبيق الشريعة الاسلامية وطرحوا المشروع الحضاري وبعد تمكينه في السودان ودانت لهم السلطة وخضعت لهم الدولة وحتى ينفردوا بالحكم قرروا اخراج الحركة من السلطة ولضيق الماعون قرروا قطع الرأس بخروج الترابي واقصائه ويحنطوا الحركة التي أصبحت ميتة في تابوت الكيان الخاص وظنوا بذلك ستفتح لهم خزائن البنك الدولى ويرضى عنهم النظام العالمي وتنفتح عليهم العلاقات الخارجية مع استخراج البترول واستشراف النهضة ستقبل عليهم الدنيا بزخرفها وأزينت لهم ولكنه السراب فما لالبثوا أن وعوا على حقيقة الحصار المطبق والحروب المتجددة في دارفور وأمر قبض الجنائية التي تطارد الرئيس كلما ركب الطائرة والاحزاب السياسية التي لم تنهكها الانقسامات ولم تقتلها الاعتقالات تزداد حركتها الاحتجاجية وتتململ الجبهة الداخلية فكان القرار بفصل الجنوب حتى تخرج الحركة الاسلامية من القمع الذي دخلت فيه وهي تبشر بالجمهورية الثانية وتطبيق الشريعة الغير مدغمسة بعد ذهاب الجنوب فالشمال جله مسلمين ولكن الحال بقي على ما هو عليه فكان القرار الأخير باعادة احياء الحركة الاسلامية وتجديد هياكلها وبناء مؤسساتها وفور انعقاد المؤتمر العام كان الهم كيف السيطرة على الجموع الغاضبة واسكات الأصوات المرتفعة بالاصلاح فكان عدم التصعيد لبعضها والترغيب للآخر والترغيب للبعض ومن لم تنل منه تلك كان التصويت بهزيمته الحل النهائي الناجع مع التمشدق بالشورى والمؤسسية فكانت النتيجة الكارثية أحبط الصادقون وغضب الاصلاحيون فخسروا قواعد الحركة المساندة للنظام وكان المؤتمر مهرجاناً لمدح السلطة والتغزل فيها وانتخب قيادات تنفيذية تدير الحركة الاسلامية بعد تدجينها بلوائح ونظام اساسي جعلها من روافد السلطة المطيعة فانفض القوم وهم أكثر قناعة أنهم بعدوا عن بحر الدين الذي أرادوا وروده ، وخسروا المؤتمر الحزب الحاكم الذي شعرت بعض قياداته ناهيك عن قواعده أنها بعد أكثر من عشرون عاماً من التكبير والتهليل والدعم لتطبيق الشريعة أنهم خارج تصنيف الحركة الاسلامية وقد ينتابهم شعور باستغلالهم رغم نفعيتهم واستئثارهم بالسلطة واكتنازهم للثروة وأصابهم الغبن بوصفهم المغفل النافع أو سمهم غير أصلاء بلغة الاسلامين فما عادوا يثقون في قيادة تجلس تنافش معهم وتخطط ثم تخلص لأخوة الامس تناجيهم ،وسيفيق القوم على سوء تدبيرهم لكن بعد أن ذبحوا الحركة الاسلامية وشتتوها ودمروا وحدة السودان وقسموه شمال وجنوب وخربوا السياسة بالعنصرية والجهوية والآن يصنفون حزبهم على أساس أيدلوجي حزب مفتوح(المؤتمرالوطني) وكيان خاص مغلق (حركة اسلامية) . فهل أبقت البصيرة أم حمد من السودان شئ فالثور مات والجرة انكسرت.
م.اسماعيل فرج الله
عطبرة 2012-11-21

في ذكرى المفاصلة من يحمي البشير


بسم الله الرحمن الرحيم
في ذكرى المفاصلة ...من يحمي البشير
في حي جبرة الخرطومي اكتملت التجهيزات لحفل افتتاح المسجد الجديد فالزائر ليس تقليدي بل هو الرئيس البشير شخصياً من يقص الشريط فتزاحم القوم مبكراً لحجز موقع بالصفوف الأمامية ليكون شاهداً على الحدث التاريخي ولكن المفاجأة فاقت التوقعات فالبشير يعلن على الملأ ومن على المنبر الجديد أن الدكتور :عبد الحي يوسف امام المسجد المفتتح والذي لاحقاً طمس اسمه الاعتباري وصار معروفاً باسم الامام الدكتور أعلن البشير أن الدكتور عبد الحي يوسف برتبة عميد بالقوات المسلحة ويعمل في فرع التوجيه المعنوي . انتهى حديث البشير ولكن لم تنتهي دهشة الحضور فالمعلوم أن للقوات المسلحة تقليدها في الاتسعانة بالمتخصصين  بمايعرف بالضباط الفنيين بعد خضوعهم للتدريب العسكري بالكلية الحربية ولم ينل الشيخ عبد الحي يوسف مثل هذا التدريب ولم يلتحق بالكلية الحربية حتى ينال مثل هذه الرتبة الرفيعة في الجيش السوداني .ولكن الدهشة ازدادت عندما ضربت القوات الآمريكية أفغانستان في حربها مع حركة طالبان ضد الارهاب خرجت الجموع غاضبة لنصرة اخوانهم المسلمين الأفغان بعد خطب حماسية وتحريض من الشيخ عبد الحي يوسف وانطلاقاً من مسجده ،ومصدر الدهشة في هذا الحدث أنه تم اعتقال الناشطين في تنظيم تلك المظاهرة ولم يعتقل العميد دعوي عبدالحي يوسف أما لتدخل جهات عليا أو للحصانة التي يتمتع بها لانتمائه للقوات المسلحة .
ولم يخيب الرئيس البشير طموح المتابعين لقراراته الارتجالية والغريبة في وقت واحد عندما أعلن في لقاء جماهيري في ولاية شمال دارفور أمام حشد جماهيري رافض لتدخل القوات الدولية في دارفور في عام 2007م حيث أعلن استعداده لترك القصر الجمهوري وقيادة مليشيات متمردة تقاتل القوات الدولية في دارفور وهو بالقطع لن يقود القوات المسلحة بهكذا مسلك فكان التساؤل عن طبيعة هذه القوات المتمردة التي سيقاتل بها البشير المجتمع الدولي فالاسلاميون الليبراليون لن يوافقوه في هكذا قرار وهم من تخلص من زعيم القاعدة أسامة بن لادن عندما أصبح عبئاً على حكمهم والبشير أعلم بهذا ولكن الدهشة هنا لم تستمر طويلاً عندما ورد في يومية التحري عن قتلة قرانفيل الموظف الأمريكي بسفارة بلاده بالخرطوم ليلة رأس السنة الميلادية حيث كشف عن مشاركة اثنين من ضباط القوات المسلحة في عملية الاغتيال ،فالمتابع لنهج البشير في المحافظة على حكمه يجده منذ وقت مبكر رفض الالتزام عهد الحركة الاسلامية التي قادته للقصر رئيساً وتلكأ في تنفيذ جدول اعادة الديموقراطية وانهاء الفترة الانتقالية التي حددتها قيادة الجبهة الاسلامية راعية الانقلاب بثلاث سنوات . لينقلب عليها في نهاية العام 1999م فيما عرف بقرارات الرابع من رمضان مستعيناً ببعض الطامعين بالسلطة والمهووسين بالدولة الاسلامية ثم يفتح الباب على مصرعيه للتيارات السلفية لتملأ الاعلام الرسمي وتعتلي المنابر الدينية في المساجد والميادين وهي تحرم الخروج على الحاكم وتدعو بالعبودية له وان ضرب ظهرك وأخذ مالك ،ولكن كل هذا تم التخطيط له بدقة حيث تم التخلص من كل من تجاوز المسموح به مثل المرحوم الشيخ محمد سيد الذي عالجته المنية أو بفتح الحدود أمام المتحمسين للعمليات الجهادية بالسفر للصومال وأفغانستان حيث أتت أنباء الاستشهاد من هناك لؤلئك الشباب  فالدائرة التي يستعين بها البشير لادارة حكمه تعمل وفق خطة محكمة بالتخلص من قيادات الاسلاميين حيث بدأت بازاحة البعض (بفرية الشيخ قال) حتى تم التخلص من الشيخ نفسه لينكشف ظهر الباقين الذين رضوا من الغنيمة ببعض السلطة وكثير المال ،لتكون مسرحية المحاولة الانقلابية آخر حلقات التخلص من القيادات الاسلامية في القوات المسلحة لتدين بعدها السلطة بالكامل للرئيس البشير دون أدنى كلفة لاعتبار قوة التنظيم الاسلامي فلم يشفع لنائب الرئيس علي عثمان تاريخه وموقعه كنائب للأمين العام للجبهة الاسلامية حين ظن بقرارات رمضان يرث الشيخ الترابي فلبد قانعاً بقسمته من السلطة ولكن الفريق صلاح قوش كان أكثر طموحاً حين خدعته قوته الأمنية وخلفيته التنظيمية وعلاقاته الخارجية وظن أحقيته بالخلافة فكان مصيره المعاش وأخيراً الحبس والاعتقال ولكن الدكتور نافع علي نافع كان أكثر ذكاءاً من سلفه قوش وأكثر شجاعة من أميره علي عثمان حين انحنى لعاصفة اتفاقية اديس أبابا المعروفة باتفاق نافع عقار فلا أدري ماذا يخبئ الرجل مع اشادة الترابي به كثيراً في خاصته وتصريحاته بوسائل الاعلام .ولكن المهم أن البشير ولو مرحلياً سيطر على مفاصل الحكم في السودان التنظيمية بالتمكن من الحركة الاسلامية في مؤتمرها الأخير والسياسية برئاسة حزب المؤتمر الوطني أما مؤسسات الدولة فقد دانت له بالطاعة من زمان . ولكن المشفقين على الدولة الوطنية المسلمة في السودان يقولون بعد ضعف السند السياسي بخلافات الاسلاميين وانشقاقهم وتشتت جمعهم وضعف الجيش بالتخلص من الضباط المميزين والقادة المتمرسين واستشراء الفساد في مفاصل الدولة السودانية يسهل الانقضاض عليها من تمرد داخلي أو عدو خارجي لكن نقول أنكم تخافون على وطن وترجون سلامة توجهه ونهضته والبشير تفكيره غير ، فهو يحمي نفسه بدوائر حسب عقليته العسكرية والأمنية فبعد ضرب الدائرة الأولى بذهاب الاسلاميين ستدافع عنه جيوش الفساد التي بوجوده تحافظ على مصالحها وهي من تستمر في الدفاع عن البشير في هذه اللحظة وبهزيمتها سيحتمي البشير بالحلقة الأخيرة وهي التيار السلفي الجهادي على طريقة الأفلام المصرية في تصويرها للارهابيين بتحالفهم مع عصابات المخدرات وتجار السلاح وهو بذلك يضمن عدم تمكن الدولة السودانية منه لمحاسبته بعد تفتيتها قبل ذهابه ان لم يجد قطاع كبير من السودانيين أنفسهم محشورين في صفه بعد أن تتم الفوضى على أساس عنصري ولن تستغرب حينها ان وجدت أعتى المعارضين لحكم البشير من الشيوعيون واليسار مع غرمائهم الاسلاميين يحتمون بمليشيات البشير من ألة القتل العنصري .
م. اسماعيل فرج الله
عطبرة 12/12/12

دكتور الافندي :الجمال ماشة


بسم الله الرحمن الرحيم
دكتور الأفندي : الجمال ماشة
بعد الاستقلال استلمت النخبة السودانية السلطة من المستعمر الانجليزي ولكنها فشلت في ادارة الحكم وسياسة شئون البلاد ومارست اقصى صنوف الاستعلاء والأنانية بغير استثناء لتيار فكري من أقصى اليمين الى أقصى اليسار ومن الطائفية دعاة الاستقلال ومقابلها من الحركة الاتحادية ومن عباقرة الديموقراطية الى عتاة الشمولية ومن الاحزاب الوطنية الى الحركات القومية العربية منها والاسلامية ومن المستقلين التكنوقراط  الى النقابيين المهنيين من الدكاترة والبروفيسرات الي العمال والمزارعين كل هذه النخبة فشلت في التعاطي مع مشكلات الوطن وتوفير الحياة الكريمة للمواطن البسيط للحد الذي كتب فيه أحدهم (النخبة السودانية وادمان الفشل) ويتساءل أخر ( من أين أتى هؤلاء) ليصل المواطن لمرحلة من اليأس منهم ليتحسر على الاستعمار ويحن للانجليز من هول ما أصابه من جحيم الموظفين والسياسيين الوطنيين .
الدكتور عبد الوهاب الأفندي واحد من النخبة السودانية ومفخرة للبلد ومواطنيها لما قدمه وظل يعمل له بصدق وتجرد صاحب فكرة لم تلهيه السلطة يوم كان أحد سدنتها عن قول الحق ونقد الذات فكتب عن الانقاذ وأخطائها ونقد الحركة الاسلامية وقيادتها لم يمنعه الانتماء اليها من قول وجهة نظره المخالفة لمنهجها في الحكم وعندما أبعد وصنف معارضاً لم تمنعه حظوظ نفسه من رؤية الحق ونكران الباطل في التزام أمين بحق الكلمة وأمانة العلم ، يظهر حباً للوطن وشفقة على أهله ، وهذا ما قاده في الأيام الفائتة لنقد المعارضة السودانية والاستيئاس منها لخشونة المقال وتطرف المسلك منبهاً بضرورة استيعاب التطورات السياسية والتعامل بمسئولية تجاه الوطن ودفع مستحقاته بالعمل لوحدته وأمنه وسلامته لتحقيق العدالة والحرية ليعيش الكل فيه على قدر المساواة واستعادة الديموقراطية . لكن القوم سلقوه بألسنة حداد ليرد عليهم وخيبة الأمل تتملكه ولكن نقول هون عليك يادكتور فان كانوا يكرهون الاسلاميين لانقلابهم على الديموقراطية فقد سلم حزب الأمة القومي السلطة للعسكر نكاية في الأزهري , وشهد عليهم الدكتور عبد الله على ابراهيم أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي أقرت انقلاب نميري ورفضت رغبة عبدالخالق محجوب السكرتير العام للحزب باستعادة الديموقراطية بينما رفضت هيئة شورى الحركة الاسلامية فكرة الانقلاب و تفويض الأمين العام بذلك مما عرضها للحل بعد نجاحه , وأن كانوا يزايدون على الاسلاميين نصرة الانقاذ فما بخلوا على مايو بكوادرهم بل بعضهم امتدت مشاركته للانقاذ وحتى الآن , وان كانوا يعيبون على الاسلاميين القتال مع القوات المسلحة ضد التمرد ويسخرون من جهادهم دفاعاً عن الوطن لك أن تنظر الى التاريخ تجدهم أعوان جون قرن يمارسون القتل وتجنيد الأطفال وان تمعنت في حاضرهم لاتجد حرباً أوقدت نارها الا وهم من أججها وتولى كبرها يحلمون بحكم السودان على جمام الضحايا وأحلام البسطاء بينما ينعمون بالمهجر ويساومون بالقضية وهم أعجز عن دفع فاتورتها .لكن سيدي الدكتور لا تأسى عليهم فهم لايملكون خيارات غير بضاعتهم الفاسدة التي يروجون لها بالعنصرية من هولندا واستراليا بينما ينعم شعبنا بالتعايش السلمي ولاتجد لخطرفاتهم أثر الا عندما تدخل المواقع الاسفيرية يبثون الحقد والكراهية فهم سيدي نالوا حق الهجرة بعد توقيعهم على حق اللجوء بدعوى بطولات كاذبة يتطاولون على الشيخ الترابي وهو من سجن سبع سنين على عهد حكمهم أيام نميري وحينما يهربون من استحقاق الثورة وراء البحار ظل وهو الشيخ الثمانيني يواجه سلطة الاستبداد بشجاعته التي اسعفته للاعتراف بخطأ الانقلاب الذي دبره بينما لم يعترف أي سياسي منهم بخطأ واحد في حق الوطن ارتكبوه رغم فداحتها وكثرتها . أخي الأفندي ان الاصلاح هو الطريق الوحيد لخلاص هذه البلد من الفساد والاستبداد وأن التوافق الذي تعيشه معارضة الداخل شعبي وشيوعي هو اقصر الطرق لاسترداد الديموقراطية وانتزاع الحرية واستدامة السلام.
م. اسماعيل فرج الله
عطبرة 2012-12-18