الثلاثاء، 20 نوفمبر 2012

وحدة السودان :فشل المشروع الحضاري فيما فشل فيه الخلفاء الراشدين


بسم الله الرحمن الرحيم
وحدة السودان :فشل المشروع الحضاري فيما فشل فيه الخلافاء الراشدين
الدكتور الترابي كثيراً ما يستشهد بعهد الخلافة الراشدة ويحاول اقامة مشروعه السياسي على هدى سيرتهم في الحكم وكان هذا يتطلب دراسة عميقة لتجربتهم في السياسة بعد انقطاع الوحي بوفاة الرسول (ص) للنظر في نجاحاتهم واتباعها والى اخفاقاتهم وتجنبها ، والدكتور الترابي كثيراً ما يتحدث عن دولة المدينة النموزج المثالي في الحر

يات والعقد الاجتماعي القائم على الرضا واحترام الخصوصية والدفاع المشترك ضد اي عدو معتدي عليها ، ولكن الشيخ جعل جل تركيزه على مركز الدولة في المدينة وأغفل علاقتها بالأطراف اما لشح النصوص الواردة أو فات عليه أهمية هذه الرابطة ،ولكن نستطيع القول أن هذه الأمصار كانت تخضع للنبي (ص) استسلاماً بعاطفة وحباً له أو طاعة لأمر الدين الواجب ،فكانت العلاقة بينهما مبسوطة على الايمان بالدعوة الجديدة والاستسلام لسلطة النبي المرسل فكان يرسل لهم الدعاة ويعين لهم ما يعلمهم الكتاب ويدرسهم الحكمة وظل الحال كما هو عليه في نظامهم الاداري القائم على القبيلة وحدود سيطرتها على ديارها ولم يكن بالمقابل هناك خضوع اداري أو رسوم ضريبي مقابل حركتها أو حمايتها من قبل دولة المدينة سوى بعض السبي الذي أتت به بعض القبائل للنبي بعد غزوة خاضتها بأمر النبي واستمرت هذه العلاقة خضوعاً بحب واستسلاماً برضى . ولكن بعد وفاته (ص) وتولي خليفته الأول أمر المسلمين أرسل في طلب الزكاة من الأمصار فتمردت عليه متحججة انما هي لرسول الله خالصة ولن يدفعوا بعد وفاته لأحد ولكن كعادة التاريخ السياسي فالمدونون يثبتون ما يعزز موقفهم ويتجاهلون ما سواه غير الاشارة لاعتراض الفاروق عمر على قتال الممتنعين عن الزكاة فزجره الصديق فسكت ولم يفصل التاريخ هل هم امتنعوا عن دفع الزكاة الركن الواجب في الاسلام بحيث يمكن جمعها من أغنياء القبيلة وتوزيعها على فقرائها وهذا رأي تدعمه الحجة ولا ينفصه الدليل أم هم رفضوا دفع المال لمركز السلطة وهذا لايخرج من الدين ولايوجب القتال فكان رأي الفاروق عمر اسلم ، وحتى قول الصديق ابوبكر (والله لو منعوني عقال بعير لقاتلتهم فيه) مما يبن أن الأمر المراد هو خضوع تلك الأمصار الى مركز الدولة سياسياً وليس المقصود المال مما أوجب بقاء قادة تلك الجيوش فيها لضمان هيمنة الخليفة عليها وبما أن القران الكريم لم يحدد شكل الدولة الاسلامية وتنظيمها الاداري وان الرسول (ص) ترك هذ الامصار على ما هي علية مع بعض الدعم والحماية كان يجب الحوار معها والاتفاق على عهد جديد يحدد رابطتها مع الخليفة المختار ولكن اصرار الخليفة الجديد على اخضاعها بالقوة وقتالها أوجد حالة من الغبن اثر على سير التاريخ من بعده فأمير المؤمنين عمر سار على منواله يعين الولاة الذين تباروا في ارسال الخراج الي المدينة لنيل رضاه ،ويبعث جيوش الفتح الاسلامي لتتوسع دولته حتى مات مقتولاً من أحد أبناء الأطراف الموجودين بالمركز فكان بداية الصراع الذي اضطر أمير المؤمنين الثاني عثمان بن عفان أن يرسل الولاة من أهله على تلك الأمصار امعاناً لبسط هيبته عليهم ليزحف عليه المحتجون من الأقاليم والضائقون بظلم ولاته بينما التاريخ الاسلامي يحدثنا عن المال المرسل من تلك الامصار وعدالة توزيعه واسهب في ابراز قصص تلك العدالة ولم يحدثنا عن معاناة اهلها وحالهم الا النذر اليسير .ليموت الأمير الثاني مقتولاً بسيف المتمردين ليتطور الأمر بفتنة كبرى يتقاتل فيها الصحابة ويموت فيها الخيرة بما فيهم الخليفة الرابع وزوج بنت رسول الله ويتبعه ابنيه من بعده شهداء لذات الفتنة .خلاصة القول أن الخليفة أبوبكر الصديق أراد أن تخضع له الأمصار كما كانت تخضع للنبي من قبله ، وأراد أن يستمر الحال كما كان وعندما ووجه طلبه بالرفض والتبرير انما ذلك النبي صاحب الوحي وحامل الرسالة خضعنا له طوعاً ولن نفعل لغيره استعمل القوة وفوت فرصه على المسلمين باتفاق حضاري على ميثاق حكم يكون منارة للمسلمين من بعده ولكن استعمل عاطفة الدين وكفر المعارضين وكانت بذرة الفرقة التي لم يجتمع المسلمين بعدها حتى اليوم .فسعي الدكتور الترابي لتطبيق نموزج دولة المدينة باعادة لانتاج ذات الفشل القديم كون ذاك النموزج به سلطتين سلطة النبوة وسلطة الحاكمية ويجب لنا ان نستقصي قيم مبادئ العدالة في القران ونفيد من سيرة الرسول (ص) كيف طبقها وهو القائل (أنتم أعلم بشئون دنياكم ) فاسقاط نموزج دولة المدينة على السودان أو أي دولة حديثة وضع حدودها الاستعمار فيه ظلم للاسلام وللدولة نفسها فاطار دولة المدينة كان موجوداً قبل الرسالة وحكمه الرسول (ص) بعد الهجرة برضى أهلها واتفاقه معهم وخضوع القبائل المجاورة لها طوعاً بعدما آمنت بالدين الجديد .بينما الدولة الحديثة حدها الاستعمار وجمع فيها كيانات كانت مستقله قبله وفق ما تقتضيه مصالحه وتوازنات القوى والحرب فبعد استقلال الشعوب وخصوصاً الاسلامية يجب أن يقوم عقد المواطنة بالرضا ولا يستقيم أن يفرض على جماعة أو اقليم الوحدة الوطنية ان كانت لاترغب مهما صغرت أو بعدت من المركز فان كانت ابيي تريد الانفصال لها ذلك ولا تستكره من أجل البترول وأن كان دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق والشرق يريدون الانفصال لهم ما أرادوا وحتى ان أردات الجزيرة أم حلفا الانفصال لها ذلك فليس في الاسلام تصور دولة مركزية قابضة ولا سنة النبي فعلت ذلك ولكن أوهام السلطة من صورة دولة الخلافة الاسلامية هي المطلب الديني فأسسوا الفقه على ذلك ، الامامة الكبرى والامامة الصغرى صاروا يفتون لأي من الاثنين للمراة الحق فيها . فيخطئ دعاة المشروع الحضاري من أهل السلطة ان أرادوا بسط المركزية على دولة السودان بافقار الولايات وتخمة المركز فيجمعون الزكاة من المزارعين والرعاة ويبنوا بها العمارات في الخرطوم ويحرمون المجتمع المحلي من نسبته في البترول لتعيش وتنعم المدن بالكهرباء والمكيفات والشوارع المسفلته ويعيش الرحل يطاردون جغمة ماء لهم ولماشيتهم ويعيش ابناءهم في الجهل والمرض فلكل صاحب أرض أن ينعم بخيراتها منفرداً وان كانت الحوجة للوحدة بغرض التعاون والحماية فبالرضا ودعونا من سيمفونية الوطن التي أنتجت القتل والدمار فدارفور تماثل فرنسا وابيي تساوي الكويت والجزيرة تحاكي هولندا أما نظرية المؤامرة بتقسيم السودان هذا دلالة على غرض صاحبه فان كان الرسول (ص) يخاطب الكعبة بان هدمها مائة مرة أهون عند الله من قتل نفس واحدة أي صنم معبود هذا الذي يستحق أن يموت من أجله ثلاثمائة الف شخص .
ويخطي دعاة المشروع الحضاري المعارضين ان ظنوا أن الدين كل الدين في وحدة السودان فيمكن أن نكون دويلات مستقله متجاورة متناصره متعاونة كما تفعل أوربا اليوم ويخطئوا ان ظنوا أن بقتل الخليفة في الخرطوم ينصلح الحال بل ستكون الفتنة أكبر من تلك التي بين علي ومعاوية فليس الأمر في من يحكم السودان ولاكيف يحكم السودان ولكن هل نحن راضون بالسودان أصلاً وهذه دعوة مني بأن لايقاتل أي من أبناء الأقاليم متمردي أقليم آخر بل يتقاتل أبناء الاقليم الواحد ان انتصر دعاة الوحدة كانت الوحدة وان فاز دعاة الانفصال كان الانفصال ولايقاتل أحد بالوكالة عن أحد ولهم ما أرادوا ولنا في حرب الجنوب عبرة فقد ظل الجيش يقاتل من أجل الوحدة سنين عددا ليصوت الجنوبيين بالنهاية بالأغلبية الساحقة للانفصال فيما يفترض للجيش ان يحمي مطالب شعبه فان كان المطلب الانفصال علاما يقاتل .
م. اسماعيل فرج الله
عطبرة 03/11/1

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق